نموذج التنمية المستقلة البديل لتوافق واشنطون وإمكانية تطبيقه في زمن العولمة .

 

 

 

 

 

العنوان: نموذج التنمية المستقلة البديل لتوافق واشنطون وإمكانية تطبيقه في زمن العولمة

60 :ISSN

الناشر : المعهد العربي للتخطيط - الكويت

المؤلف (المؤلفين): إبراهيم العيسوي

التاريخ: 2006

المحتويات :

ما الذى يدعو إلى البحث عن مقاربات جديدة لصياغة السياسات التنموية فى الوقت الراهن ؟ لاشك فى أن السبب فى ذلك هو عدم الرضى عن النتائج التى أسفر عنها تطبيق نوعية معينة من السياسات التنموية على امتداد فترة ناهزت ثلاثين عاماً فى معظم الدول النامية ، وهى مجموعة السياسات التى انطلقت من توافق واشنطون الذى جسَّد الليبرالية الاقتصادية الجديدة فى برامج محددة للإصلاح الاقتصادى . إن الدول التى التزمت بهذه النوعية من السياسات لم تعجز عن اختراق جدران التخلف والتبعية المحيطة بها والانطلاق إلى رحاب التنمية السريعة والمطردة فحسب ، بل أنها عجزت أيضاً عن تحقيق تقدم ملموس فى إنجاز أهداف أكثر تواضعاً ، وهى الأهداف الإنمائية للألفية ، وذلك بعد خمسة أعوام من إقرار الأمم المتحدة لهذه
الأهداف .
يقرر مؤلفو تقرير متابعة أهداف الألفية ( الاستثمار فى التنمية ، 2005 ) أنه وإن كانت بلدان كثيرة تمضى فعلاً على الطريق نحو تحقيق البعض على الأقل من الغايات بحلول 2015 ، إلا أن هناك مناطق شاسعة لم تزل بعيدة عن هذا الطريق ، أبرزها أفريقيا جنوب الصحراء . وإذا كان هدف تخفيض الفقر بمقدار النصف ما بين 1990 و2015 قد تحقق فى شرقى آسيا ، ويبدو أنه فى طريقه إلى التحقيق فى دول شمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا ، فإن الفقر لم يزل مرتفعاً بدون تغيير فى أفريقيا جنوب الصحراء . وبرغم أن الفقر منخفض نسبياً فى أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبى ، إلا أن التحسن هناك
هزيل . كما أن الفقر قد اتجه إلى التزايد فى غربى آسيا وفى رابطة الدول المستقلة ـ الأوروبية والآسيوية منها على السواء . وتشير متابعة هدف تخفيض الجوع إلى نتائج مشابهة . فهناك بعض التقدم فى
دول شرق وجنوب آسيا ، لكن الجوع لم يزل مرتفعاً جداً مع تغيير طفيف فى أفريقيا جنوب الصحراء ، ومرتفعاً بدون تغيير فى شمال أفريقيا . ولا تغيير يذكر فى حالة الجوع فى كل من أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبى والدول الأوروبية فى رابطة الدول المستقلة . واتجه الجوع إلى التزايد فى غربى آسيا والدول الآسيوية فى رابطة الدول المستقلة . وقد توقع تقرير التنمية البشرية 2003 أنه إذا استمرت معدلات الأداء المتحققة فى التسعينات على حالها ، فإن أفريقيا جنوب الصحراء قد لا تحقق هدف الألفية بالنسبة لتخفيض الفقر إلا فى عام 2147 ، كما أنها قد لا تحقق الهدف الخاص بخفض وفيات الأطفال إلا فى عام 2165 ، لا فى الموعد المستهدف أصلاً لتحقيق هذه الأهداف وهو 2015 .
ومن الملاحظ أن التقارير الدولية تستدعى أسباباً متعددة لتفسير الأداء المتواضع لبرنامج الألفية ، مثل غياب استراتيجيات لمكافحة الفقر فى بعض الدول ، وضعف هذه الاستراتيجيات حيثما وجدت ، وغياب التزام وطنى بأهداف الألفية فى الكثير من الدول النامية ، وضعف الموارد المخصصة لتنفيذ هذه الأهداف ، وضآلة المعونات الدولية حتى بالقياس إلى الهدف المتواضع المحدد منذ زمن طويل وهو 0.7% من الناتج القومى الإجمالى للدول ذات الدخل المرتفع ، وضآلة المساهمات الدولية فى تخفيض أعباء المديونية الخارجية على الدول النامية ، والعراقيل الموضوعة من جانب الدول المتقدمة أمام صادرات الدول النامية إلى
أسواقها . وقد تكون هذه الأسباب صحيحة ، ولكنها لا تكفى لتفسير ضعف أداء برنامج الألفية ، فضلاً عن أنها لا تكفى لتفسير عجز الكثير من الدول من الخروج من أسر التخلف والتبعية وإنجاز الانطلاق على طريق التنمية السوية . والسبب الغائب هنا هو السبب الجوهرى فى تقديرى ، ألا وهو خصائص السياسات التنموية التى صيغت على هدى توافق واشنطون ، واستجابةً لدعاوى الالتحاق بالعولمة والاندماج فى النظام الاقتصادى العالمى .