إذا كان
الاقتصاديون في بحثهم عن أسباب مصادر النمو الاقتصادي يعيدونه إلى
عدد من العوامل منها التزايد في مدخلات العمل وتحسين في نوعية هذا
المدخل والزيادة في رأس المال المادي واقتصاد الحجم فإنهم يعيرون
أهمية خاصة إلى دور التحسن في التعليم والتكنولوجيا؛ إذ إن المعارف
الجديدة ليست قادرة على تقليص كمية المدخلات اللازمة للإنتاج فقط؛
بل تمكن من تقديم منتجات جديدة أيضاً ، وتستعمل مواد لم تكن ذات
قيمة اقتصادية أو لم تكن تستعمل الاستعمال الاقتصادي.
إن معظم أدبيات اقتصاديات
التعليم والتدريب تشير إلى دورهما كمحدد أساسي للإنتاجية (على
الرغم من نظريات الفلتر والإشارة وتجزئة أسواق العمل في تفسير
هذا الدور أو نفيه). (انظر لمسح عن الموضوع، وديع 1997). ويعترف
الكتاب الأبيض البريطاني بأهمية التعليم والتدريب في رفع القدرة
التنافسية.
وتظهر أهمية رأس المال
البشري في المنافسة الاقتصادية (1993 (Timbeng كما ظهرت في النمو
الاقتصادي Denison 64 و 80 Denison & Parker و Cohn &
Geske 1990 . ويشهد اهتمام الدول في إنشاء الجامعات وربطها بنظام
الإنتاج وحاجات المجتمع على هذا التقدير.
إن دور المستحدثين
جوهري في نمو التنافسية الاقتصادية للبلاد وعلى مستوى التشغيل،
على الأقل بسبب قدرتهم على الابتكار. ولذلك تصبح المسألة كيف يمكن
للمجتمع أن يحفّز رجال الأعمال المحتملين ليصبحوا مستحدثين بمعنى
الكلمة وينشئون ويطورون مؤسسات عالية القدرة على الابتكار والازدهار.
وهو أمر يحتاج إلى توفيقة من الأدوات بدءاً من السياسة العمومية
الصحيحة إلى تكوين عال لوسائل التمويل ومختلف أشكال الدعم. وقد
تسهم النظرية الاقتصادية وعلم الاجتماع وعلم النفس في تحديد ماهية
السياسة "الصحيحة" التي تحفز الاستحداثية وتوجهها لرفع
القدرات التنافسية.
تشير الأدبيات وتجارب
التنمية إلى أن رفع معدلات النمو المستديم يتم عن طريق زيادة الطاقة
الإنتاجية والاستثمارات في الأصول الملموسة وغير الملموسة (مثل
الابتكار والتعليم والتدريب) ، وهو ما يشكل مركزاً لتحقيق أهداف
رفع الإنتاجية ومستويات التشغيل على آماد طويلة.
لقد وجد Barro Barro
& Lee 2000 , 1994 بدراسته لمحددات النمو الاقتصادي في عدد
كبير من دول العالم للفترة بين 1960 و1995، أن من محددات النمو
المهمة مخزون رأس المال البشري الأولي في البلدان وخصائص سكانها.
فقد بين أن النمو مرتبط إيجابياً بالمستوى الأولي لمتوسط سنوات
التحصيل المدرسي من المستويين الثانوي والعالي للذكور البالغين.
وفسر ذلك بأن العمال ذوي التعليم الأعلى مكملون للتقانات الجديدة،
ويؤدون دوراً مهماً في نشر التقانات، الأمر الذي يشكل عنصراً رئيساً
في عملية التنمية. ولا يلعب التعليم الابتدائي دوراً معنوياً في
النمو إلا أنه مطلب لا بد منه للعبور على السلم التعليمي إلى المراحل
الأعلى ذات المردود التنموي. لكن اللافت للنظر أن نتائجه قد بينت
ارتباطاً غير ذي معنوية بين سنوات التعليم المحصلة من المستويين
الثانوي والعالي لدى الإناث وبين النمو. وهو أمر يصعب قبوله من
جانب المدافعين عن تعليم المرأة وتمكينها في التنمية والمجتمع
(وقد انتقد Lorgelly & Owen 1999 نتائج بارو وفسر بعضاً من
معضلاتها. فقد أعاد هذه النتيجة إلى بعض التفسيرات منها أن تشغيل
المرأة المتعلمة لم يصل بعد في معظم الدول إلى الدرجة التي يظهر
أثر تعليمها على التنمية. ولعل مثل هذا الاستنتاج ينطبق على تعليم
المرأة في الوطن العربي أخذاً بالاعتبار معدلات الإسهام المتواضعة
للمرأة بالنشاط الاقتصادي على الأقل كما تقيسه الإحصاءات والمحاسبة
القومية إلى الآن (انظر تقرير التنمية البشرية حول ضرورة إعادة
النظر في تقويم إسهام المرأة في النشاط الاقتصادي).
وأشارت الدراسة Barro
& Lee 2000 إلى أن تعليم المرأة في المستوى الابتدائي يحفز
النمو الاقتصادي بشكل غير مباشر من خلال تأثيرها في تخفيض مُعدلات
الخصوبة لدى السكان ، وهو أمر يعتبره العديد من الاقتصاديين والديموغرافيين
عنصراً مهماً في النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية على السواء.
لم يكن التعليم محدداً
واضحاً من محددات النمو في دراسة إمام وآخرين. فقد درس الباحثون
الإسهام النسبي لكل من رأس المال والعمل ونمو الإنتاجية الكلية
للعوامل على النمو الاقتصادي وكانت النتيجة غلبة إسهام رأس المال
على إسهام كل من العمل ونمو الإنتاجية الكلية للعوامل خلال الفترة
1960 -1977 . وقد بينت الدراسة أن نمو الإنتاجية الكلية للعوامل
له أثر إيجابي على بلدان شرق آسيا. أما على بلدان الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا ، فقد كانت النتائج مختلطة من حيث أثر التعليم على
نمو الإنتاجية الكلية للعوامل ؛ ففي حين كانت الآثار موجبة في
مصر والمغرب وتونس وتركيا فإن الأثر سالب في البلدان السيئة الأخرى
في العينة ، ومنها 5 بلدان بترولية.