يسعد الاقتصاديين المتحمسين
لنظرية رأس المال البشري أن يذكروا أن الموارد البشرية هي عامل
إنتاج يحتاج إلى استثمار مسبق شكله الأساسي التعليم. وأن نوعية
العمل دالة في العديد من العوامل ، منها التعليم والتكوين (كماً
ونوعاً) اللذان يتلقاهما الفرد قبل دخوله إلى سوق العمل أو خلال
حياته المهنية. وهذا يسوغ حساب مخزون التعليم المتجسد في السكان
أو بشكل أدق في قوة العمل ، وأن الإحصاء المادي "الخام"
المعتاد لإعداد القوة العاملة لم يعد كافياً. وقد لاحظ شولتز (1961)
أن "إجراء إحصاء لكل الأفراد الذين يقدرون على العمل ويرغبون
فيه وتقدير أن العدد الذي سنتوصل إليه يمثل مقياساً لعامل اقتصادي
ليس له معنى أكثر من إحصاء كل أنواع الآلات من أجل تحديد أهميتها
الاقتصادية سواء على شكل مخزون رأس المال أو على شكل تدفقات الخدمات
الإنتاجية التي تقدمها. كما أن ماركس أيضاً، عند تمييزه بين العمل
البسيط والعمل المركب، اعتبر أن التعليم يمكن أن يكون مولّداً
للتنمية باعتبار أن تقليص الإنفاق على تعليم العمال ينقص قيمة
عملهم . إذن يمكن للمرء أن يقبل أنه إذا ، كان من الممكن في وقت
بعيد اعتبار العمل غير المتطور تقنياً متجانساً (وهذا يسهل تجميع
حجوم ذلك العمل) فإن هذا قد أصبح صعباً ، أكثر فأكثر، في أنماط
العمل المعاصرة حيث المؤهلات والكفاءات أعلى تخصصاً وأصعب قياساً
. وبذلك فإن البحث عن وحدة قياس مثالية يمكنها أن تقيس هذا الجزء
من رأس المال قاد إلى أن تكون هذه الوحدة: هي التعليم.
ومن يقول تعليم يذكر
المدرسة النظامية. فالمدرسة، بمختلف مراحلها، تنتج التعليم بمختلف
سوياته ومن مختلف الاختصاصات والتكاليف . وإن منتجاتها قد كلفت
من الأموال والموارد الأخرى ، وبذلك فإن من الممكن احتساب هذه
التكاليف . ولكن ما هذه التكاليف ؟ أهي النفقات (الاستثمارية أم
الجارية ، العمومية أم الخاصة،…) أم الكسب الضائع أيضاً (نتيجة
للالتحاق بالتعليم عوضاً عن سوق العمل) أم هي الإنتاج المفقود؟.
وتطرح العديد من المسائل التقنية ولكنها عرضة لأن تجد حلولها في
محاسبة تحليلية (تكاليف) عوضاً عن محاسبة ادارية مرتبطة بالميزانية
وتوزيعاتها . ويمكن للمرء أن يقترح حساب حجم التعليم المتجسد في
السكان مقاساً بالدبلومات المدرسية أو بمخزون متوسط من السنوات
التعليمية . ومثل وحدات القياس هذه يمكن أن تكون ملائمة للتعبير
عن التعليم كماً و لكنها لاتدل كثيراً على نوعية التعليم ولا على
مستوى صلته بالحاجات التنموية الدقيقة .
من الصعب قياس المخزون
التعليمي بالمعنى الواسع لذلك نمثله بمتوسط سنوات الدراسة (مرجحاً
أو غير مرجح) وهو بدوره لا يمثل نوعية التعليم بل لا يضمن حسن
المقارنات الدولية أيضاً ، ولا حتى المقارنة ضمن البلد الواحد
لفترات زمنية متباعدة وذلك لاحتمال الاختلاف في مفهوم السنة الدراسية
من جانب ولاختلاف محتوى المخزون المتوسط من السنوات على السلم
التعليمي ؛ إذ كلما ارتفع المخزون المتوسط احتوى سنوات تعليمية
أعلى على السلم التعليمي، لذلك فإن هناك تحت التقدير للبلدان ذات
المتوسطات المرتفعة من السنوات الدراسية ما لم نجد طريقة عادلة
لترجيح السنوات حسب ارتفاعها على السلم. وقد يكون من المناسب أيضاً
ترجيح تلك السنوات بحسب الاختصاصات في المرحلة الواحدة بناء على
معايير ، مثل تكلفة الدراسة أو معدل العائد للاختصاصات المختلفة
(القيمة السوقية لرأس المال البشري).
إن قياس متوسط السنوات
الدراسية على الرغم من فائدته وسهولة حسابه النسبية فإنه لا يشمل
المهارات والخبرات التي تحصل عليها الفرد خارج المدرسة (التعليم
غير النظامي). وحتى إنه لم يشمل قياساً المهارات التي تحصل عليها
الفرد في المدرسة ؛ إذ يقيس عدد السنوات الدراسية المكملة التي
يمتلكها الفرد بغض النظر عن محتواها ونوعيتها ومدى قدم الحصول
عليها (اهتلاك رأس المال البشري).